الكفر الأكبر:                        

    هو نقيض الإيمان، ويكون الكفر بنية كفرِ صاحبه اعتقاداً ، أو قولاً قصد صاحبه فيه الكفر، أو فعلاً قام به فاعله وهو يعلم أنه كفر . قال الإمام الشربيني: ((وشرعاً (قطع) استمرار (الإسلام) ودوامه، ويحصل قطعه بأمور (بنية) كفر..))([1])، وهو يخرج صاحبه من الإسلام، ويوجب له الخلود في النار ولا تناله شفاعة الشافعين

قال الإمام النووي في كتاب ((تهذيب الأسماء واللغات)): ((وقال بعض العلماء: الكفر أربعة أنواع، كفر إنكار، وكفر جحود ، وكفر عناد، وكفر نفاق، وهذه الأربعة من لقي الله تعالى بواحد منها لم يُغفر له)) .

وقد بينها بعض العلماء بكلام قريب مما قاله الإمام النووي رحمه الله تعالى فقالوا :

1- كفر التكذيب:  وهو اعتقاد كذب الرسل عليهم السلام، فمن كذبهم فيما جاؤوا به ظاهرًا أو باطنًا فقد كفر والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَما جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} (سورة العنكبوت آية 68 ) .

2- كفر الإباء والاستكبار والإعراض: وذلك بأن يكون عالماً بصدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، لكن لا ينقاد لحكمه ولا يذعن لأمره، استكباراً وعناداً، والدليل قوله تعالى:  {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (سورة البقر آية 34) .

3- كفر الشك: وهو التردد وعدم الجزم بصدق الرسل ويقال له كفر الظن، وهو ضد الجزم واليقين.  والدليل ما ورد في كتاب الله تعالى في قصة صاحب الجنة:{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ الساعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَواكَ رَجُلا لَكِنا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} (سورة الكهف الآيات 35-38) .

4- كفر النفاق: والمراد به النفاق الاعتقادي بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، والدليل قوله تعالى: { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ }(سورة المنافقون آية 1-3) ([2]) .

الكفر الأصغر  : 

 وهو ما لا يناقض أصل الإيمان، بل ينقصه ويضعفه، ولا يسلبُ صاحبه صفة الإسلام وحصانته، وهو المشهور عند العلماء بقولهم: (كفر دون كفر) ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله - عز وجل - إذا لم يتب منه، وقد أطلقه الشارع على بعض المعاصي والذنوب على سبيل الزجر والتهديد، لأنها من خصال الكفر، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب .

وهو مقتضٍ لاستحقاق الوعيد والعذاب دون الخلود في النار، وصاحب هذا الكفر ممن تنالهم شفاعة الشافعين .

أمثلة ونماذج من قضايا يظنها بعض الناس كفراً وهي ليست كذلك لعدم وجود النية:

1- الحلف بغير الله تعالى:

الحلف بغير الله تعالى ليس كفراً بإطلاق ، إنما يكون كفراً إن عظَّمَ الحالفُ المحلوفَ به كما يعظِّم الله تعالى، وهذا هو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك))([3]) ، قال الحافظ العراقي: [وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ : أَنَّهُ لا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لا يَجُوزُ الْحَلِفُ لأحَدٍ بِهَا.... انْتَهَى  وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةً، ... وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ مَكْرُوهٌ، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَيُوَافِقُهُ تَبْوِيبُ التِّرْمِذِيِّ عَلَيْهِ كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ].

 

 

قال الإمام النووي في روضة الطالبين: الحلف بالمخلوق مكروه كالنبي، والكعبة، وجبريل، والصحابة، ... وقال الأصحاب: فلو اعتقد الحالف في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كَفَر( [4]) .  

2- قتال المسلم: لقوله صلى الله عليه وسلم: (( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ))([5])، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))([6]). فهذا النوع من الكفر غير مخرج من الملة بإتفاق الأئمة، لأنهم لم يفقدوا صفات الإيمان لقول الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }(سورة الحجرات آية 9). 

 4- الطعن في النسب، والنياحة على الميت :

ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ))( [7])، والظاهر أن لفظ (كفر) من تصرف بعض الرواة ، فقد روي الحديث في الصحيحين من طرق أخرى ليس فيها هذا اللفظ وإنما فيها بدل (كفر) : (من خلال الجاهلية) وفي بعضها: (من أمر الجاهلية) . فمن الخطأ التمسك بأنه كفر .

فعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ((خِلاَلٌ مِنْ خِلاَلِ الجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ)) ([8] ) .

وعن أبي مَالِكٍ الأشْعَرِيَّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ ))( [9] ) .

وهناك أمورٌ عديدةٌ وردت في بعض الروايات أنها من الكفر ــ أي الكفر الأصغر ــ أو النفاق أو الفسق لم تصل إلى حد الكفر الحقيقي والشرك بالله تعالى ، وقد بين العلماء ذلك في كتب التفاسير وشروح الحديث مثل فتح الباري لابن حجر وشرح مسلم للإمام النووي .

موانع التكفير:

لا يطلق على المسلم أنّه كافر إلا إذا انتفت عنه موانع التكفير الخمسة المجمع عليها عند الفقهاء لأن الإسلام الصريح لا ينقضه إلاّ الكفر البواح الصريح وهو ارتباط القول والفعل مع الاعتقاد، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم ((...... إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)) ( [10]  )  .  

 

موانع التكفير: أولاً: الإكراه:

   وهو أن يقع منه الكفر أو الفسق بغير إرادة منه فمن يُكره على الكفر فيفعله لداعي  الإكراه لا اطمئناناً به فلا يكفر لقوله تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(سورة النحل آية 106).

فقوله تعالى: (إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان) فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئنٌ بالإيمان بالله ورسوله، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنهما حين عذّبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية.([11] )

يقول الإمام القرطبي رحمه الله: (أجمع أهل العلم على من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئنٌ بالإيمان، ولا تبينُ منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن قال: إذا أظهر الشرك كان مرتداً في الظاهر وهو قولٌ مردودٌ بالكتاب والسنة) ( [12]  ) .

والذي ميّز ذلك النية، فمن أُكره على الكفر فقاله، ونيةُ الكفر غير موجودة لديه لا يكفر، وأما إن نوى الكفر فقد كفر .

ثانياً: الخطأ وعدم القصد:

فقد يبلغ الفرح أو الحزن بالإنسان درجة لا يستطيع أن يميّز فيها ما يقول فيصدر منه قول ظاهره الكفر ويستدل العلماء على هذا بالحديث الصحيح الوارد عن أَنَس بْن مَالِكٍ وَهُوَ عَمُّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )) ( [13]  ) .

فلم يُؤاخَذ بذلك بسبب الفرح الشديد الذي حصل عند رؤية دابته فلم يكفر وإن أتى بصريح الكفر لكونه لم يُرده، يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين في الحديث: من قواعد العلم أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد من فرح شديد أو غضب شديد ونحوه لا يؤاخذ به ولهذا لم يكن هذا كافراً بقوله-أنت عبدي وأنا ربك-  ( [14] ) .

ثالثاً:العذر بالجهل:

وهذا أصل مجمع عليه فالجهل يعذر الإنسان به كمن نشأ في بادية أو بلاد بعيدة أو كان حديث عهد بالإسلام فإذا صدر منه أمر كفري فلا يحكم بكفره ويعذر بجهله،  قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}(سورة الإسراء آية 15)، قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله: المقالة تكون كفراً كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شيءٍ مما أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم  إذا لم يعلم أنه أُنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم[15] .

ويستدل العلماء على هذا الضابط بكثيرٍ من الأدلة من أشهرها ما ورد في الصحيح من حديث عبدا لله بن أبي أوفى قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لأسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَلا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ)) ( [16] ) .

 ففي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلاً لغير الله تعالى لم يكفر . فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل له أن ما فعله من السجود كفر وشرك لأن معاذاً رضي الله عنه معترف بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله فلم يعبده ولم يتخذه إلهاً ، وإنما نهاه صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال له لو كنت آمراً أحداً لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول ذلك لو كان كفراً !

رابعاً: الخطأ: 

الخطأ ضد الصواب، فيعذر الإنسان إذا صدر منه بالخطأ أمر كُفري، وقد روى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) ( [17]  ) .

والخطأ سواءً كان بعد الاجتهادِ في مسألة معينة، أو من قصد شيئاً فوقع غير ما قصده فهو معذور، يقول الشيخ ابن تيمية - وهو يتحدث عمن اجتهد وقصد الحق فأخطأ-:  وأما التكفير فالصواب أنه من اجتهد من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر بل يغفر له خطأه، ومن تبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فشاق الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصّر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاصٍ  مذنب، ثم قد يكون فاسقاً وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل يكون كافراً .  

 

خامساً: التأويل:

والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي غالباً ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ[18] .

فإذا كان الرجل لم تبلغه النصوص لمعرفة الحق، أو لم تثبت عنده، أو عجز عن فهمها فهماً صحيحاً أو عرضت له شبهة فقال متأولاً قولاً كفرياً، أو عمل عملاً يوجب الردة فإنه يعذر ولا يُكفّر، إلا بعد قيام الحُجّة عليه وإظهار خطئه في هذا التأويل، وإعلامه بالحق فإن تمادى فإنه يكون جاحداً ومعانداً فيحكم بكفره .

ومن أشهر ما يستدل به أهل العلم على الإعذار بالتأويل قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما أرسل كتاباً إلى مشركي مكة يخبرهم بأمر النبي صلى الله علية وسلم، والقصة في الصحيح  فعن عُبَيْد اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، قَالَ: ((انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا)) فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا أَخْرِجِي الكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا، وَلاَ رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ»، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، قَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) ( [19] ) ، فحاطب رضي الله عنه كان مخطئاً وقد صنع ذلك متأولاً وظنّ عدم حصول الضّرر،وقد عُذر بذلك. وهو مذهب أهل السنة- عدم التكفير بالتأويل - ، ومنها أيضاً ما قاله الحجاج بن علاط يا رسول الله إنّ لي بمكة مالاً وإنّ لي بها أهلاً وإنّي أُريد أن آتيهم فأنا في حلٍ إن أنا نلت منك أو قلت شيئاً فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء ( [20] ) .

فينبغي التورّع والتثّبت في المسألة فقد تورع جمهور العلماء في تكفير من اقتضت النصوص كفره من الفِرق فقد امتنع كثير من الصحابة الكرام، ومن جاء بعدهم من أهل العلم من تكفير الخوارج مع ورود النصوص التي تبين أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرّمية، ويبين الإمام النووي رحمه الله مذهب أهل السنة فيقول: واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يُكّفَر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك، فإن استمر حُكِمَ بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة.

ولا بد من إدراك خطورة التوسع في هذه المسألة، فمذهب سلف الأمة في تكفير المعين والحكم عليه بالتخليد في النار لا بد فيه من ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه وتحقق ضوابطه، فهم لا يكفرون من قال كلمة الكفر جاهلاً، أو عرضت له شبهة، ولا يكفرون المعين إلا بعد قيام الحجة المعتبرة وتحقيق الشروط وانتفاء الموانع، فلا يقدمون على التكفير أو التفسيق إلا وفق ضوابط وقواعد الشرع . 

 

 

 

 


([1]) الشربيني،محمد بن أحمد ، ت (977هـ) ،مغني المحتاج شرح المنهاج ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (ج4/ص304) .

 ([2] ) النووي، يحيى بن شرف، (ت676هـ ) ، تهذيب الأسماء واللغات، شركة العلماء دار الكتب العلمية، بيروت  . www.dd.sunnah.net ، تاريخ الدخول 12/12/2014مــ

([3]) الترمذي، محمد بن عيسى ، سنن الترمذي ، مكتبة المعارف، الرياض ، كتاب النذور والأيمان،حديث رقم (1535) ، وإسناده حسن  .

([4]) العراقي،عبد الرحيم بن الحسين  ت(806هـ)، طرح التثريب شرح التقريب ، دار الفكر، بيروت، (ج7/ص355 ). ومثله في روضة الطالبين للإمام النووي،  تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، (ج4/ص79) .

([5]) البخاري،  باب الإيمان، رقم الحديث (48).

([6]) البخاري، كتاب العلم، رقم الحديث (121). 

([7]) مسلم، كتاب الإيمان رقم الحديث (67).

([8]) البخاري، كتاب المناقب، رقم الحديث (3850).

([9]) مسلم، كتاب الجنائز، رقم الحديث (934).

([10]) البخاري، كتاب الفتن، رقم الحديث  (7056) في كتاب الفتن.

([11]) ابن كثير،أبو الفداء إسماعيل، تفسير القرآن العظيم (ج4/ ص605  ).

([12]) القرطبي،محمد بن أحمد،  الجامع لأحكام القرآن (ج10/ص160)  .

([13])  مسلم ، كتاب التوبة، رقم الحديث (2747).

([14])  ابن قيم الجوزية،  محمد بن أبي بكر بن القيم ،مدارج السالكين ،تحقيق بشير محمد عون،الطبعة الأولى، دمشق، 1999مـ ،(ج1/ص209).

([15])  ابن تيمية،مجموع الفتاوى (ج 3/ص354) .

    ([16])  رواه أحمد ، أبو عبد الله أحمد بن حنبل، المسند، (ج4/ص381)، وصححه الألباني في صحيحه (ج3/ص202 أثناء تخريج الحديث 1203) .  

 

   ([17])  ابن حبان، مرجع سابق، (ج16/ص202) .

([18]) ابن تيمية،مرجع سابق،  (ج12/ص180).

([19]) البخاري ، كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس، رقم الحديث (3007).

([20])  أحمد ، أبو عبد الله أحمد بن حنبل المسند، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1991مـ ، رقم الحديث (12001) من حديث أنس بن مالك، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (6ج/ص154) : ورجاله رجال الصحيح.